ابن الأثير

645

أسد الغابة ( دار الفكر )

عند الرجل به قوة ، فيكونان معه ، ويصيبان من طعامه . وقد كان ضم إلى زوج أختي رجلين - قال : فجئت حتى قرعت الباب ، فقيل : من هذا ؟ قلت : ابن الخطاب - قال : وكان القوم جلوسا يقرءون القرآن في صحيفة معهم - فلما سمعوا صوتي تبادروا واختفوا ، وتركوا - أو : نسوا الصحيفة من أيديهم . قال : فقامت المرأة ففتحت لي ، فقلت : يا عدوة نفسها ، قد بلغني أنك صبوت [ ( 1 ) ] ! قال : فأرفع شيئا في يدي فأضربها به ، قال : فسال الدم . قال : فلما رأت المرأة الدم بكت ، ثم قالت : يا ابن الخطاب ، ما كنت فاعلا فافعل ، فقد أسلمت . قال : فدخلت وأنا مغضب فجلست على السرير ، فنظرت فإذا بكتاب في ناحية البيت ، فقلت : ما هذا الكتاب ؟ أعطينيه . فقالت لا أعطيك ، لست من أهله ، أنت لا تغتسل من الجنابة ، ولا تطهر ، وهذا لا يمسه إلا المطهرون ! قال : فلم أزل بها حتى أعطتنيه ، فإذا فيه : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فلما مررت ب الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، ذعرت ورميت بالصحيفة من يدي - قال : ثم رجعت إليّ نفسي ، فإذا فيها : سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ ( 2 ) ] - قال : فكلما مررت باسم من أسماء اللَّه عز وجل ذعرت ، ثم ترجع إليّ نفسي ، حتى بلغت : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ ( 3 ) ] حتى بلغت إلى قوله : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ - قال فقلت : أشهد أن لا إله إلا اللَّه ، وأشهد أن محمدا رسول اللَّه - قال : فخرج القوم يتبادرون بالتكبير ، استبشارا بما سمعوه منى ، وحمدوا اللَّه عز وجل ، ثم قالوا : يا ابن الخطاب ، أبشر ، فإن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم دعا يوم الاثنين فقال : اللَّهمّ أعزّ الإسلام بأحد الرجلين : إما عمرو ابن هشام ، وإما عمر بن الخطاب ، وإنا نرجو أن تكون دعوة رسول اللَّه لك . فأبشر - قال : فلما عرفوا منى الصدق قلت لهم : أخبروني بمكان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . فقالوا : هو في بيت في أسفل الصّفا - وصفوه - قال : فخرجت حتى قرعت الباب ، قيل : من هذا ؟ قلت : ابن الخطاب . قال : وقد عرفوا شدّتى على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . ولم يعلموا بإسلامي - قال : فما اجترأ أحد منهم أن يفتح الباب ! قال : فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « افتحوا له ، فإنه إن يرد اللَّه به خيرا يهده » . قال : ففتحوا لي ، وأخذ رجلان بعضدي حتى دنوت من النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، قال : فقال : أرسلوه قال : فأرسلونى ، فجلست بين يديه ، قال : فأخذ بمجمع قميصي فجبذنى إليه ، ثم قال :

--> [ ( 1 ) ] يقال : « صبأ فلان » إذا خرج من دين إلى دين غيره . وقد أبدلوا من الهمزة واوا . [ ( 2 ) ] سورة الحديد ، آية : 1 . [ ( 3 ) ] سورة الحديد ، آية : 7 .